السيد محمد حسين الطهراني
41
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
--> المسلمين إذا أنِسوا من شخصٍ صِدقاً ووفاءً وسلماً جروا وراءه اتّباعاً لقوله تعالى . وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ، والمسيحيّون إذا أنِسوا من واحد غفلةً وقعوا عليه وقوع الحدأة على العصفور أو الصقر على الحدأة . لقد مرّ زمن كان المسلمون فيه هم الغالبين فحكموا النصارى واليهود حكماً عادلًا ، لا نعرف في التأريخ مثله ، تبعاً لتعاليم الإسلام . نعم ، إنّ عمر بن الخطّاب في أوّل عهده انتدب يعلى بن اميّة لإجلاء النصارى من أهل نجران عن بلادهم ، ولكنّ عذره في ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال . لَا يَجْتَمِعُ في جَزِيرَةِ العَرَبِ دِينَانِ ، لأنّ الإسلام يريد أن تكون جزيرة العرب حصن المسلمين ومنبتهم ، وتربية الدعاة للإسلام فيها ، وعدم اختلاطهم باليهود والنصارى ، والدين غضّ طريّ ، فأمر بإجلاء أهل نجران . ومع ذلك فإنّه لمّا أجلاهم عوّضهم عن بلادهم بخيرٍ منها ، خيّرهم في الجهات التي يريدونها . لم يشأ رسول الله أن يكرههم على الإسلام فتركهم وشأنهم عملًا بقوله تعالى . لا إكْرَاهَ في الدِّينِ ، وصالحهم على مالٍ معلوم يؤدّونه كلّ سنة وشرط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به . ولمّا توفّى رسول الله أقرّهم أبو بكر على الشروط التي اشترطها عليهم الرسول . ولمّا حضرت أبا بكر الوفاة أوصى عمر بإجلائهم لنقضهم العهد بتعاملهم بالربا . فكان أوّل عمل عمله أن يجليهم عن أرضهم ، وأمر العامل الذي أرسله أن يعاملهم بالرفق ويشتري أموالهم ويخيّرهم عن أرضهم بأيّ أرضٍ شاءوا من بلاد الإسلام . وكان ممّا أوصى به عامله . ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم ثمّ أجلهم مَن أقام منهم على دينه وأقرر المسلم ، وامسح أرض كلّ من جلا منهم ، ثمّ خيّرهم البلدان ، وأعلمهم أنّنا نجليهم بأمر الله ورسوله . وكتب لهم كتاباً قال فيه . أمّا بعد ؛ فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق ، فليوسعهم من حرف الأرض ، وما احتملوا من شيء فهو لهم ، وكان أرضهم باليمن ، فنزل بعضهم الشام ، وبعضهم بناحية الكوفة . وشكوا لعثمان لمّا استخلف ضيق أرضهم ، ومزاحمة الدهاقين لهم فكتب عثمان إلى عامله بالكوفة يوصيه بهم ، ويأمره أن يضع عنهم مائتي حلّة من جزيتهم ، وكان قد فرض عليهم تقديم الحلل كجزية ؛ ولمّا ولى معاوية شكوا إليه تفرّقهم وموت من مات منهم ، وإسلام من أسلم . فوضع عنهم مائتي حلّة أيضاً ، فلمّا أتى الحجّاج أعادهم ونقصهم ، فأمر بإحصائهم فبلغوا العُشر فألزمهم مائتي حلّة فقط . فلمّا ولي هارون الرشيد أعادوا الشكوى إليه من العمّال فأمر أن يعفوا من معاملة العمّال لهم ، وأمر أن تكون معاملتهم مع بيت المال في العاصمة الإسلاميّة مباشرةً . فترى من هذا أنّ خلفاء المسلمين لم يُكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام ، بل تركوا كلّا ودينه . ثمّ التزامهم نحو هؤلاء النصارى بالوفاء بالعهود ، ثمّ حرص الخلفاء على التوالي على حمايتهم وإرضائهم ورفع الظلم عنهم . أرأيت معاملة للمخالفين خيراً من هذه المعاملة ؟